تخيل جثتك, فتهدأ
دقيقتا قراءة
أقف في الحافلة. أنهيت ورديتي المسائية وأشعر بالفراغ. حولي صور لأخرين ورائحة عفونة. لا يفارقني ذلك الشعور, شعوري بأنني مُلاحق. كلب أسود يلاحقني في كل مكان. الحياة بهذا الشعور تبدو استحالة. الهرب… الهرب… الهرب. من خيال الموت. لا أريد أن أموت, يصرخ ذلك التصور الهائم بداخلي… لا أريد أن أموت, ولكنني سأموت- أدرك بكل لحظة بأنني سأموت- فأركض… أهرب… يجب أن أفعل شيء. أن أكتب…
أستيقظ من نومي. أنظر نحو مكتبي- طاولة قديمة- قلمي يرتاح بجانب دفتر ملاحظاتي. كُتب أعلى الصفحة العبارة التي أنقلها لكم <كنت بدي أقتل حالي اليوم, بس اشتريت ضبان للبوت> يمكن للحياة أن تبدو كتتابع أصمّ. ولكنها قد تبدو أيضاً كضجيج عاصفة. فيصبح اليوم أثقل من المعتاد وكأن ظلك على الأرض له كتلة أثقل من الأخرين. الموت… الموت… يلاحقكك ككلب مصعور. و أنت تهرب كطفل لا حيلة له. هوسك بأن تفعل شيء, قبل أن ينقض عليك الكلب ويلقيك أرضاً لينهش جلدك وروحك.
قلقك الوجودي يجعلك تفقد طعم اللحظة. خوفك من الكلب يجعلك ترتعش وتتحرك كالهارب… الهارب من اللحظة. ماذا ستفعل. سأركض نحو شيء عظيم, نحو روايتي, نحو نجاحي, نحو ألبومي الأول, نحو شهادتي, نحو الثروة, المجد, السعادة, عرضي الأول, الشهرة… الخراء المقدس. توقف وتخيل جثتك…
أقف في الحافلة. أنهيت ورديتي. أشعر بخدر وبأنني يجب مُلاحق. ينظر فتاة ترتدي حجاب أبيض. يظهر انعكاس وجهها على الزجاج. أجد الكلب يتقدم من خلف الزجاج. ينهش وجهها الجميل ويندفع نحوي. يتدافع الجميع. رائحة عفونة تقتل لحظتي الملائكية. أُغمض عيني وأتخيل جثتي. تقف الحافلة. يهرع رجال الإسعاف, يحاولون أن ينقذو الفتاة ولكن فات الأوان. يقف الكلب مبتسماً, يتنظر خروجي من تأملي. يهبط الجميع وأبقى أنا مُغمض عينيّ… صوت سيارة الإسعاف تغادر محطة الحافلات يتردد ولا زلت أقف متخيلاً جثتي. برودتة جسدي, عيني الذائبتين. ذلك السكون… سكون الموت.