الانتحار فعل قابل للحياة
3 min read

أحاول أن أُصارع غشاوة اليقظة. اللحظات الأولى التي تبدأ بها يومك. تهزمني الحياة، أستيقظ. أتمنى الموت بصدق... لماذا تسلب مني الحياة أحلامي. أريد أن أبقى في عالم الأحلام. ولكن لا زلت أملك حق المناورة. سأبقى هكذا وأترك السرير يبتلعني. أنظر نحو السقف، هناك شرخ ما سببه ثاقب آلي. ما هي أسهل طريقة للموت؟ سأحاول معك أن أُناقش محاولاتي الخيالية للموت. أفكر بالسقوط من ارتفاع، طريقة لا تجذبني، سطحية، و أشعر بأن جسدي سيبصقه الإسفلت. لا أحبذ التفتت. جمجمتي تنهرس، عظمي يتكسر، دماء تمر عبر مسامات دقيقة. أقف أمامي وأنا قذر ميت على الأرض، لا يعجبني شكلي، يلمني كقطع رجل الدفاع المدنيّ. موت كله موت، ولكن بهذه الطريقة! ناهيك عن لحظة السقوط… ستمر ثلاثون ثانية وأنا في الهواء، تعني لي هذه الثلاثون ثانية الكثير، ولكنها ليست كافية. شعرت طيلة حياتي بأنني أسقط. ولن أنهي حياتي بتلك الطريقة. غباء، تفاهة ولكنني رومنسيّ جداً بما يتعلق بالموت فاعذرني.
الغرق. سترفضني الماء. كم سيستغرق الأمر؟ أحاول أن أُقدر… أربع دقائق. مدة طويلة. سأتراجع حتماً بأربع دقائق. سأبكي وستصنع دموعي برزخ بينها وبين مياه البحر المالحة. اعتقد أن أربعة دقائق كفترة بين الحياة والموت كثيرة. أُريد شيء أسرع. تغرق رئتي بالماء وأموت خنقاً. يقتلني البحر. سيبكي أوديسيوس. ولكنها طريقة رومنسية أكثر من السقوط من ارتفاع. فلو كان لي أن أختار لاخترت الغرق. يطفو جسدي على الماء، تغسلني الأمواج. تلتقطني الشواطئ والناس. يهرع نحوي شخص ما. وجهي نظيف، ولكنه منتفخ. يبدو على ملامحي العربية بؤس صحراويّ، غريب على الماء. تتفجر خلايي بفعل الخاصية الاسموزية. ميت على شاطئ، هناك حفلة تقام على يخت. يلمس مؤخرتها وأنا على بعد خطوات من الشاطئ. جسدي وليس أنا. فأنا عندها سأكون بمكان أخر. يلثمها فتبدأ بالأنين، يدخلها وأنا هناك تلفني الشعب المرجانية بخيوطها اللامبالية.
رصاصة داخل جمجمتي. ولكن سمعته يقول: وضع المسدس بفمه وأطلق الاتفجار. مرت الرصاصة بفكه ولم تقتله. أصابه شلل رباعي وفرصة جديدة للحياة. كائن بائس… هل يمكن ذلك؟ رصاصة داخل فمه ولم يمت! أعتقد أن توجيهه للمسدس لم يكن بالطريقة الصحيحية. كانت يده مائلة بفعل خدر أو نية للبقاء على قيد الحياة. اشتريت منه مسدس صغير. كنت أخطط لقتل نفسي، ولكن بعيد عن البيت. قال: هذا مسدس سوفيتي. كان يكذب، فهو صغير والاتحاد السوفيتي كبير. ولكنني أردت أن أحاكي الأمر… لهو بطريقة تثير الحنق والغيبوبة. وضعت المسدس على رأسي و ضغطت الزناد. سرت قشعيريرة بجسدي. وقفت هناك وخلفي ماضي وآلام كثيرة، أستنشق الهواء والمحاكاة. ابتسمت، لم أمت. كان المسدس خالٍ من الرصاص. بقيت اليل كله أبكي على سرسري. أفكاري تشدني للأسفل. الرصاصة هي الله، ستخلصني من معاناتي. ولكنها محاكاة تافهة. موت اصطناعي. رصاصة تخترق جمجمتي وتستقر في أحد الفجوات الدماغية. ينقطع حبل تواصلي مع أطرافي. أموت بسرعة. ولكن قال: الرصاصة مرت بفكه ولم تقتله. فأصابه شلل رباعيّ ولعنة الحياة لمرة أخرى.
كان الشنق دائماً يشدني. أما تناول الأدوية فهو للمخنثين. حبل من حبال البناء. ألف به شجرة عاشت لمئة سنة. أربط عقدة و أدخل رأسي بها وأبدأ بالحشرجة. تتخبط قدمايّ، تزبد شفتاي. أرتدي حذائي من نوع فانس أسود. ترطم يدي بالأغصان. تحاول الشجرة أن تتخذ الحياد، ولكنها لا تستطيع فقد أصبحت أنا بجسدي جزء منها. جزء من حكاياتها. جو غائم، هواء بادر وجسدي معلق هناك فوق الحشائش والجذور. الزمن المقدر خمس دقائق… تمر حياتي أمامي. تثير حنقي قطرة ماء على أنفي. أتمنى لو أستطيع نفضها، ولكنني أختنق. أنسى أمرها وأركز بمن أحب، نسيت كل شيء. لن تتذكر شيء. حركاتك الدماغية ستتوجه نحو البقاء، المحاولة الأخيرة. هل يمكن للنهاية أن تكون بتلك الرومنسية. وجهي صحراوي معلق على شجرة باهتة، جو كئيب، يسقط في مستنقع وشعره على وجهه. يُدفن فتشرق الشمس. تضحك الفتاة، يبتهج طفل بحصة الرياضة، يبدأ طفل بالبكاء، تبكي أمي، تشعر أختي بالفراغ والخوف، يتساءل سائق التاكسي عن عشاءه، يبدأ وردية أخرى ذلك الموظف الملتحي بالسواد.
This text's code
Scan it with a phone camera to open the text.
https://crow.twinwin.online/en/writings/writing-41
Download code