انتقل إلى المحتوى
غرابكاتب

إعدادات القراءة

اضبط الموقع ليناسب عينيك. تُحفظ اختياراتك على هذا الجهاز.

لغة الواجهة

المظهر
خط القراءة
حجم النص
تباعد الأسطر
عرض عمود القراءة
إتاحة

قصص قصيرة

مدينة لا تنتهي

دقيقتا قراءة

خرج سليم من محطة القطار في السادسة وعشر دقائق، كما يفعل كل مساء منذ أحد عشر عاماً. كان الهواء مشبعاً برائحة المطر الذي لم يسقط بعد، والأضواء تنطفئ في واجهات المحلات واحدةً بعد الأخرى، كأن المدينة تُغمض عينيها ببطء.

سار في الشارع الطويل الذي يعرفه جيداً: المخبز الذي أُغلق، ثم الصيدلية ذات اللافتة الخضراء، ثم البناية الرمادية التي كُتب على بابها رقم لم يعد أحد يقرؤه. عدّ الخطوات دون أن ينتبه، كما يعدّ المرء أنفاسه حين يخاف.

لكنه حين وصل إلى الزاوية التي ينعطف عندها نحو بيته، لم يجد الزاوية. امتدّ الشارع أمامه مستقيماً، بالأضواء نفسها والأبواب نفسها، حتى آخر ما تستطيع العين أن تبلغه.

توقف. نظر خلفه، فرأى المحطة بعيدة على نحو لا يُصدَّق، صغيرةً كعلبة كبريت. تقدّم خطوات، ثم ركض قليلاً، ثم مشى من جديد. كانت الصيدلية ذات اللافتة الخضراء تظهر مرة أخرى، ثم المخبز المغلق، ثم البناية الرمادية، بالترتيب نفسه، كأن أحداً يعيد المشهد كي يتأكد من أنه فهمه.

سأل رجلاً يقف تحت مظلة موقف الحافلات: — أين ينتهي هذا الشارع؟ نظر إليه الرجل طويلاً، ثم قال بهدوء من اعتاد السؤال: — لا ينتهي. نحن فقط نتوقف عن السير فيه.

ضحك سليم ضحكة قصيرة لم تُقنع أحداً. أراد أن يقول إن له بيتاً، وإن في البيت امرأة تنتظره، وكوبين على الطاولة، وستارة لم يُصلحها منذ الشتاء الماضي. لكنه حين حاول أن يتذكر لون الستارة، لم يستطع.

واصل المشي. صار يلاحظ أشياء لم يرها من قبل: نافذة مضاءة في الطابق الثالث يجلس خلفها طفل يكتب واجبه، وقطة تنام على سقف سيارة، وكلمة «ارجع» مكتوبة بالطباشير على جدار، نصفها ممحوّ بمطر قديم.

لم يعد يعرف كم مضى من الوقت. الساعة في معصمه تشير إلى السادسة وعشر دقائق، والسماء لا تتغير. وفكّر، لأول مرة منذ سنوات، أنه لم يكن يمشي إلى بيته كل هذه المدة، بل كان يمشي فقط.

عند الصيدلية الخضراء، للمرة التي لم يعد يعدّها، توقف أمام الجدار وأخرج قلماً من جيب معطفه. تحت كلمة «ارجع» كتب بخط صغير: «إلى أين؟»

ثم جلس على الرصيف، وانتظر أن يمطر.