انتقل إلى المحتوى
الغرابكاتب

إعدادات القراءة

اضبط الموقع ليناسب عينيك. تُحفظ اختياراتك على هذا الجهاز.

لغة الواجهة

المظهر
خط القراءة
حجم النص
تباعد الأسطر
عرض عمود القراءة
إتاحة

مقالات

مهرجان الدنيا شمال وشبنهاور في الذاكرة

دقيقتا قراءة

[الدنيا سكة شمال.] تتخذ من الطبيعة الإنسانية لعبة هزلية ومظلمة. تَكرر للحتميات. ولادة طبيعية للمعاناة من جسد الإنسان الناضح بالإفرازات. [الدنيا سرك ومسرحية.] أنظر من شباك الحافلة فأجد عاهرة حينا تركب سيارة من نوع جيب. أتساءل وبجاني رجل غطاه التراب والعرق، كيف للحياة أن تكون بهذا الهزل والعقم والبلادة الواضحة ولا يزال البشر يطمحون بعالم أحسن. فلم يُخلق هذا العالم ليصبح أحسن، خُلق هكذا وفقط هكذا وللأبد سيبقى هكذا. بارد، محايد، حتميّ، غير مبالي، يحكمه المال والقوة.

قد ينفع التطرف في التشاؤم في حمايتك من الإصابة بالعمى. ولا أعتقد إلا أن التشاؤم طفل لقيط لفرط الحساسية. فالأشخاص المصابين بهذه العلة- علة الحساسية المفرطة تجاه الوجود- يصابون بمضاعفات ثانوية تتجلى بتشاؤم ونظرة قلقة تجاه المادة الحية، تجاه المادة بشكل عام، تجاه الذوات وما يتجاوز المادة. [الي قلبه بدون حنية، الي ملهي بايع القضية، الي ماشي سرحان سكران، والي يدور على الأمان، والي ناسه أنه إنسان] ينسى أنه إنسان، ينسى ذروته الواعية، ينسى الألوان، ينسى النشوة، ينسى الحب، ينسى تلك السذاجة الملائكية التي تقبع بداخله. أنظر حولي، داخلي وفي مدينتي وأجد ألم دفين متأصل من هزائم متراكمة كلانهائية ثقب أسود. أجد في عيونهم هزل، وتعب لا يبرره إلا خصيات آبائهم. تمنيت لو أصاب جدي عقم، ألا أُوجد وأبقى بأحضان العدم. هناك بجانب الله وفي حديقته الخلفية. ألا أُوجد إلا في مكان أخر. في سماء، كوكب أخر، مكان أخر، ألا أرى تكسرات ذاتي على المرآة.

خيانة، كذب، استغلال، ذل، وتقبل للذل لأجل اللقمة. ها هو أخي، يعمل في معبد على الطراز الحديث. به، استبدلوا الأصنام بأسياخ شاورما و مكاتب متوحشة. استبدلوا الأعمدة العظيمة بجهاز بصمة الدخول والخروج، يبتلعك. تضغط عليه ليشفط روحك، ذاتك ويعوضك عند خروجك ببلادة تسير من لونه الأخضر المشوه كتيار خارق وتمر خلال جسدك لتجعله كحاوية قمامة في حيّ شعبي. [الدنيا فيها أشكال ألوان] الدنيا أصبحت تتعدى ذلك، المدينة أصبحت بلا ألوان.

مهرجان السكة شمال والفيلسوف أرثر شوبنهاور يلتقيان عند نقطة انتفاخة عصبية داخل جمجمتي العربية. أشعر برغبة عجيبة لاستنشاق السذاجة، الحياة ببساطة. ولكنني هكذا… أقف أمام نفسي و أستعرّ. أُشبه السقوط، خسف وتدهور نحو البدايات. وجدت ذلك في المخيم، بين الباعة على البسطات، وجدته في السيارات الفخمة التي يترجل منها أشباه بشعر أشقر وشفاه متورمة، وجدته بين الطلاب، الدكاترة، في عزاء، حفلة شباب، بين الموظفين، في المكاتب، في الحافلة، في الحدائق العامة، بين الجبال السبعة وعلى سفح الأمل… ذلك اليأس، تلك النظرة الفارغة والمستسلمة للموت. وجدتها في كل مكان.