انتقل إلى المحتوى
الغرابكاتب

إعدادات القراءة

اضبط الموقع ليناسب عينيك. تُحفظ اختياراتك على هذا الجهاز.

لغة الواجهة

المظهر
خط القراءة
حجم النص
تباعد الأسطر
عرض عمود القراءة
إتاحة

مقالات

مقال المدينة بلا ألوان (ملتقى الصناعات الثقافية)

4 دقائق قراءة

يستيقظ، يذهب للعمل، ينام. هكذا دواليك. يحاول أن يبحث عن فراشة الفن، في الأعماق. ولكنه لا يجد إلا البلادة. بلادة الموظفين وسوقية سائقي الحافلات. الوظيفة تشكل الجزء الأكبر من حياته. إن لم تكن جل حياته. فهو يسعى، ولكن مسعاه إلى اللاشيء. تثيره فكرة تنبثق أمامه وإصبعه يضغط على الزر المشع بلون أخضر؛ لماذا المدينة أصبحت بلا ألوان؟ كل شيء باهت. بداية من باب العمارة إلى مفرش السرفيس، مروراً بسيل من المباني الحجرية الباهتة. لون الاشجار ليس كما يجب- هكذا يفترض- اللون الأخضر لا يكون هكذا. فقد زار الريف في طفولته ويدرك بالحس كيف يكون اللون الأخضر الحقيقيّ. أمّا هذا فليس إلا نسخة مشوهة. لون الإشارة الأحمر لا يمكن له أنه يكون كلون الدم الذي كان يتساقط أمامه محاولاً أن يقبض عليه. لون الشمس، الأصفر، لا يصل إليه. فهو دائم التموضع في الداخل. عبد للغرف و قاعات الانتظار والمكاتب. وكيف له أن يدرك الأزرق، لون السماء وهو يصل للمكتبه في الظهيرة، ويكاد لا يرفع عينيه عن هاتفه، ليخرج من مكتبه بعد أن تموت الشمس؟ يفكر وهو يبصم ختم الدخول… لماذا أصبحت المدينة بلا ألوان. لماذا لا أرى، يقول لنفسه.

يقول الكاتب البرتغالي فردنادوا بيسوا: رُبَّما كانَ مُقيَّضاً لي أن أظلَّ مساعد مُحاسب إلى الأبد. أمّا الأدبُ والشّعر فهُما بمثابةِ فراشة كُلما كانت أجملَ وأبهى بدوتُ أكثر إثارة للسُّخرية بفعلِ حومانها فوق رأسي. وهنا أحاول أن ألمس هذا حولي، في مدينتي التي أصبحت بلا ألوان. أين هي الفراشة- فراشة الفن- في المدينة التي أصبحت فيها المطاعم كأجساد متعرقة ومتلاصقة ببعضها. في كل زاوية أسماء بلا ملامح لجذب مستهلكين أكثر. للطعام والقهوة والفراغ. وأعود لاقتباس بيسوا الذي أجد به تأمل ثاقب لحياة موظف يُدرك بتجلي بأنه يتعفن، ولذلك يلجأ للأدب، للفن والجمال الساحر للكلمات والصور التي تتدعى في الخيال. معوضاً بذلك عن شعور البلادة الذي يسيطر عليه داخل تتدافع الأيام والورديات.

يفتقر مجتمعنا للمساحات الأدبية، لتلك الدوائر المجنونة التي تنم عن حياة؛ حياة شباب وحركة. فما أشعر به هو أننا مصابين بالركود. لا يوجد شيء، لا بوجد ملجأ، لا يوجد فراشة تلجأ لها. وما أقصد بأنه لا يوجد، هو مساحات ودوائر أدبية تمثل نوع من يقضة قد يعيشها الشباب في المجتمع. وقد أكون أنا مغيب ولا أعرف عن مساحات كتلك، أو بسبب خلفيتي المتدنية والفقيرة قد لا أستطيع الوصول لمساحات قد تكون حكر على طبقة معينة. ولكنني لا أظن أن الأمر كذلك. وإنما أعتقد بأننا نعاني من مشكلة حقيقية وتتجاوز الطبقات الاجتماعية. ومشكلتنا هي أن المدينة أصبحت بلا ألوان- المدينة مدنيتنا ونحن، نحن المدينة- وأن الحياة المكرسة لأجل الوظيفة تصيبنا بالتعفن.

وما أحلم به وأحاول أن أوضحه بهذا المقال، هو أننا بحاجة لمساحات أدبية حرة، خارج إطار المؤسسات والدوائر الحكومية- كمبادرات مؤسسة عبد الحميد شومان مثلاً- وبالرغم من كونها مبادرات مؤطرة والطابع المؤسسي ظاهر عليها، ولكنها جيدة. ولكن ما أحلم به بحق هي مساحات حرة وأقل مؤسسية، مساحات صغيرة ولكنها كثيرة. كنقاط على خريطة. مساحات تعطي الشباب حرية التفكير و حافز الظهور. و هذا ليس بالأمر السهل، لعدم وجود أرضية ثقافية و أدبية حقيقية في الأردن؛ إما بسبب الشرخ الواضح بين الأجيال- أجيال الكّتاب والأدباء الماضية- والجيل الحالي الذي أصبح غير قادر على الوصول لهم والتأثر بهم؛ بسبب تغير أساليب التواصل واتجاهاتها. أو بسبب تعرض هذا الجيل لمحتوى تافه وقصير، يجعل من الأدب استحالة في عصر السرعة و المحتوى القصير والهوك.

الأدب، الفن، الجمال، تلك الحساسية المفرطة بالحظات الاستيتقية هو ما يجعل المدينة بألوان. تلك اللحظات الصباحية الصامتة عندما أتناول فنجان قهوتي وأجلس على مكتبي -الذي هو عبارة عن طاولة مطبخ قدمية- وأفتح رواية لكاتب مات منذ زمن بعيد وأترك كلماته وتصورته للأحداث أن تخترق جمجمتي وتقتل كائنات البلادة السامة التي خلفتها ورديات المساء السابق. تلك الروح الفتية والاندفاع الأبله نحو وجهات النظر التي يخوضها مجموع من الشباب الذي يشعر بالتهميش هي ما تجعل المدينة بألوان. أتمنى أن تتنمى مثل تلك الدوائر في مدينتنا وتصل لكافة شباب وفئات المجتمع. وتناقش الأعمال الأدبية والأفكار بالغة العربية. وقد أكون متوهم وأعيش في كوكب أخر، وكل ما أشعر به والعمى الذي يصيبني ما هو إلا اضطراب رجل يأس. وأن المدينة متشبعة بالألوان وأنا فقط مصاب بالعمى. لا أعلم.